ما حدث في كأس الأمم الإفريقية يكشف الكثير من الأشياء، وكعادة كل حدث ينظر إليه الناظر من الزاوية التي تشغله وتؤرقه، وحيث أن كاتب هذه السطور ينسب نفسه إلى الإسلاميين، وإلى المنشغلين بالإصلاح، فمن هذه الزاوية كان النظر، وكان الاكتشاف.

ولست أقول بأنه اكتشاف جديد، بل أقول دليل جديد يضاف إلى ما سبق وكتب في الموضوع (انظر: الكرة وصناعة المعركة، المجتمع الإسلامي المشوه، الحركات الإسلامية تراجع وانسحاب أم عودة للتربية، ولكم في الكرة عبرة)

والخلاصة التي دائما ما أعجز عن طرحها بصيغة دبلوماسية (وهذا اعتراف بنقطة ضعف خطيرة لدي) هي أن الشعوب الآن ليست في حاجة إلى تربية بقدر ما هي في حاجة إلى قائد يعبر عنها، يستطيع هذا القائد بما تتيحه له الدولة الحديثة من وسائل أن يعيد صياغة الشعوب؛ اهتمامتها تطلعاتها طموحاتها مشاريعها، نحو ما يحقق لها الأمل الذي طالما عاشت تتمناه.

مع كل الأسف لأن معنى الوطنية والقومية والنصر الكبير انحصر في إطار الكرة على الملعب، حتى صرنا نخاصم العرب والمسلمين ونعاديهم لأجله، إلا أن الحقيقة الهادرة هي أن تلك الشعوب تحب بلادها حقا وحقيقة، ولا تستنكف بل ولا تتردد أن تحترق مشاعرها وعواطفها في تشجيع بعض “المليونيرات” الذين يلعبون الكرة. والذين سيحصدون وحدهم كل الجوائز والمكافآت، بينما الذين احترقوا هم الفقراء الذين لن يغير الفوز من حالهم شيئا.

الشعب المصري، والشعوب العربية التي احتفلت له، يعبر عن تفوق قيمي حقيقي حين ينسى تماما أنه يحترق من أجل مجموعة من الأغنياء يلعبون بالكرة، لا يوجد مجرد التفكير في الفارق الطبقي ولا الحقد الاجتماعي تجاه هؤلاء، بل هم –والحال هذا- يسكنون القلوب بالفعل.

هل نحتاج لأن نقارن بين حب الناس للكرة، وحبهم للإسلام وللدين وللقدس وللنبي وللصحابة وللإصلاح وللنصر على إسرائيل؟

كانت الكرة وما زالت حتى هذه اللحظة اهتماما هامشيا في حياة المصريين، صحيح أنه يتضخم ويسكن بؤرة الاهتمام كثيرا، لكنه في نهاية المطاف أمر عابر، ما يلبث أن ينشغل الناس عنه، تماما مثلما لا يشعر أحد بمنتخب كرة اليد إلا حين بروزه في مسابقة دولية، وتماما مثلما لا يهتم أحد للكرة الطائرة أو كرة الماء أو البنج بونج. يمكنهم فعلا أن يهتمون في حالة واحدة .. النصر .. حتى حين يبرز لاعب اسمه أحمد برادة في لعبة لا يعرف اسمها نصف المصريين على الأقل “الاسكواش” يبدأ الناس في الالتفاف حوله.

لكن الدين عميق في وجدان الناس مهما كان حاله وحال أتباعه، والشعوب المسلمة تعبر بتميز نادر عن اعتناق مؤكد يبدو أنه لا ينتهي أبدا، سواء كان أهل الإسلام في المقدمة أم كانوا هم المستضعفون في الأرض.

وبرغم كل الضغط على الدين ما تزال تقاوم الشعوب وتتمسك، بغض النظر الآن عن رضائنا عن مستوى التمسك به، ففي النهاية لدينا محصلة تقول: أن الناس لا تريد سوى الإسلام، ولم تنتخب أبدا سوى الإسلاميين.

وقضية كالأقصى وفلسطين والعراق وأفغانستان، هي قضايا غير منسية، وما إن تثار حتى تظهر المعادن الحقيقية لهذه الشعوب. والكل رأى كيف ينتفض الناس للإساءات للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) باتجاه دولة بلا تاريخ عدائي –تقريبا- ولا واقع عدائي مع المسلمين.

السر الذي ينبغي أن تلفت الحركات الإسلامية له يسمى .. الإعلام.

والمنظومة التي تفرز الإعلام تسمى .. الدولة.

الإعلام هو الذي استطاع أن يجعل الوطنية محصورة في الكرة، وهو الذي يجعل الجزائر أشد الناس عداوة للمصريين، وهو الذي يجعل جدار فولاذيا لا يُشك في أنه خيانة للدين والوطن والأمة، يجعله من حقوق السيادة والكرامة والشرف، وهو الذي يجعل الرقص فنا، والإباحية تحررا، والخلاعة “موضة” تواكب العصر.. هل نحتاج لأن نزيد؟

إن الخروج التلقائي للمصريين، ولكثير من الشعوب العربية، فرحا بفوز المصريين ببطولة كرة يلفت النظر إلى أن الإعلام –وليس التربية- هي ما تحتاج أن تمتلكه الحركات الإصلاحية.

ولو كانوا لا يستطيعون لأن وحشا يسمى الدولة هو من يملك الإعلام، فلابد أن يفكروا في أن يمتلكوا هذه الدولة، وهم أحق بها وأهلها. لا أن ينتظروا من الشعب الذي يلعب به الإعلام أن يستيقظ فجأة .. أو حتى بعد مائة سنة من التربية (والتي تتم بوسائل غاية في الضعف وتحت السيطرة)، ليرفعهم -رغم أنف الدنيا- إلى الحكم.

للعلامة المحقق الكبير محمود شاكر (أبي فهر) في قلبي مكان وحده، فهو طراز خاص من العلماء الذين عاشوا في القرون الأخيرة، كأنه انبعث من من زمن الإسلام الجميل حيث اللغة العربية الممتعة وألفاظها الجذلة وخيالها الفسيح وكلماتها الريقة الساحرة التي تستطيع أن تتسرب إلى القلب في لذة تشبه لذة العاشقين.

وحيث العلم المتمكن، علم الراسخين الثابتين الذين لا يقولون إلا بعد فحص وعناية وسهر وتعب، ولا يأكلون إلا من عمل أيديهم وقرائحهم.

ألمعي موهوب، فارس وحيد حقا، وعلى حد علمي فإنه لم يتكرر واسأل الله تعالى أن يمن علينا بمثله.

وقعت له اليوم على كلمات أقرأها لأول مرة، والفضل لموقع الألوكة، وكانت في رثاء أستاذه وصديقه الأديب العربي العملاق، أديب العربية والإسلام، مصطفى صادق الرافعي صاحب وحي القلم، وتاريخ آداب العرب، وتحت راية القرآن، وأوراق الورد، ورسائل الأحزان.

تلك الكلمات لن يفهمها، أو قل لن يتذوقها، إلا من عاش أجواءها.. وهذه هي التجارب التي لا يمكن تعليمها ولا شرحها، بل لابد من معاينتها أولا.

ولكي تفهم الكلمات بمعنى أعمق، ينبغي أن تعلم أن العلامة محمود شاكر حاول الانتحار في شبابه من جراء معاناته مع طه حسين، وضعفه أمام سطوة هذا الأخير، وهي المعاناة التي تقرأها كاملة في مقدمة كتابه المتنبي، ولكي تفهم حالته أكثر فعليك بقراءة المقالات السبعة لمصطفى صادق الرافعي بعنوان “الانتحار” في المجلد الثاني من وحي القلم.

قال العلامة:

“ذهبتَ وبقيتُ، لأتعلَّم كيف أُنافق بصداقتي بعضَ النفاق؛ لأنهم يريدون ذلك، لأجيد مهنة الكذب على القلب؛ لأنهم يجيدون ذلك، لأتعلَّم كيف أنظر في عيونهم بعينين لئيمتين يلتبس في شعاعهما الحبُّ والبغض؛ لأنه هو الشعاع الذي يتعاملون به في مَوَدَّاتهم، لأُفْنِيَ بقائي في معانيهم المتوحشة؛ إذ كانوا هكذا يتعايشون، لأحطِّم بيديَّ بنيان الله الذي أَمَرَنا بحياطته، وأتعبَّد معهم للأوثان البغيضة الدميمة التي أنشأتْؤها أيديهم المدنسةُ القذرة، لأجني الثمار المرة التي لا تحلو أبدًا، ولكنهم يقولون لي: هذا ثَمَرٌ حُلوٌ، فلماذا لا تأكل كما يأكل الناس؟!

ذهبتَ - أيها الحبيب - وبقيتُ، بقيتُ في الحياة التي أوَّلها لذةٌ، وآخرها لذْعٌ كأحرِّ ما يكون الجمرُ حين يتوهج، بقيتُ للحياة التي تريدُ أن تسلُبَ القلبَ براءَةَ الطفولة لتملأهُ إثمًا وخداعًا وشهوةً، بقيتُ على الحياة في الأرض التي تميدُ وترجفُ وتحتدمُ من تحتي؛ لأنها تنكر الإيمان الذي يمد بسببٍ إلى السماء، بقيتُ بقاءَ حبة القمح في رمال الصحراء المجْدبة، لا أجدُ مائِي ولا ترْبتي، ولا من يزرَعُني”

انتهى كلامه يرحمه الله

طغت على اللغة الإعلامية المنتشرة الآن لغة الاتهام والهجوم، وطبيعي أن تلك السهام وهذا الهجوم ستتجه إلى الطرف الأضعف في معادلة القوة، خصوصا والإعلام بطبيعته تعبير عن الطرف الأقوى، فلذا وبرغم أن الأمة تنتشر فيها المصائب والمشكلات كطابور يبدأ من الفقر والمرض وانحطاط كرامة الفرد ويصل ذروته بالاحتلال وفقد السيادة، إلا أن اللغة الإعلامية إذا كان ثمة هجوم فهو على الشيوخ “المنغلقين” أو المقاومة “العبثية” أو على جماعة -لا تملك إلا أن تعد عدد معتقليها- بخصوص نظرتها في “تولى المرأة والأقباط رئاسة البلاد”.. هذا برغم أن الاحتمال يبدو مستحيلا.

ما ينبغي أن يلتفت إليه الدعاة والإصلاحيون والمجاهدون أمام هذا الهجوم المقصود، هو ألا ينجروا للدفاع عن أنفسهم، والاضطرار إلى “شخصنة الموضوع”. أليس يبدو مثيرا أن الإعلام غير الإسلامي يقف بكامله رافعا قميص فلان وفلان باعتبارهما “رائدا الإصلاح والتنوير” -اللذان يقصيهما “الجناح المحافظ”- فيهاجم بهذا القميص الحركة الدعوية كلها؟

لقد سجل القرآن الكريم حوارا بين موسى (عليه السلام) وفرعون، وحاول فيه فرعون بكل وسيلة أن يخرج من حوار الفكرة إلى اتهام الشخص، ولكن موسى (عليه السلام) استطاع في كل مرة أن يعيد الحوار إلى الفكرة وأن يتجاوز محاولات “الشخصنة” هذه حتى انتصر.

لقد جاء موسى برسالة واضحة إلى فرعون (إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الشعراء : 16 ، 17].

ورغم أن فرعون يضطهد بني إسرائيل ويعذبهم، ورغم أن موسى لا يطلب منه لا ملكا ولا سيادة ولا إعطاء الناس حقوقهم، بل فقط أن يسمح لهم بالخروج من هذه الأرض. إلا أن فرعون ترك مضمون الفكرة (الرسالة، وإخراج بني إسرائيل) وقال مهاجما موسى: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ).

فكانت أولى محاولات “شخصنة الموضوع”، لكن المشكلة الحقيقة أن موسى فعلا ارتكب هذه الأخطاء في حياته السابقة، وقد وضع الآن في مأزق الفضل، كما وضع في مأزق “البدعة” فلقد لبث سنينا من قبل دون أن تخطر له هذه “الأفكار الدخيلة”.

فكان أن دافع موسى عن نفسه دفاعا بليغا وقصيرا، ولم ينه جملته حتى عاد بالحوار إلى موضوع الرسالة: صحيح أني فعلت هذا حين كنت ضالا (ولست كافرا أو جاحدا) ولهذا هربت خائفا لعلمي بأنه لا عدل في الحكم. قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ).

وهنا انتهى دفاع موسى عن نفسه، ولكنه لم يتوقف هنا أبدا بل عاد بالحوار إلى المضمون: وبعدها وهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين. لكن هل هذه نعمة تتفضل بها علي وما حدثت إلا لاضطهادك بني إسرائيل الذي جعل أمي تلقيني صغيرا في النهر ثم جعلني اهرب خائفا من الظلم؟ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ)

فاضطر فرعون أن يعود إلى الفكرة ولكنه قفز على اضطهاده لبني إسرائيل وسأل عما ظن أنه يمكن أن يجادل فيه (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ)؟

فأعطاه موسى جوابا واضحا وعمليا ولم يحاول تقديم “تعريف نظري” أو أن يصف الله بما يمكن أن يدعيه فرعون (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ).

وحاول  فرعون –بلهجة ساخرة- ترك حوار الفكرة والرسالة والاستعانة بمن حوله (قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ) فلم يمهل موسى أحدا بل زاد في وصف الله بما لا يمكن أن يدعيه لا فرعون ولا أحدهم (قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ).

فعاد فرعون إلى “شخصنة” الحوار واتهام المتحدث (قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) ولكن موسى لا يدافع عن نفسه الآن ولا يلتفت لهذه المحاولة بل يستمر (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ).

وهنا لم يعد أمام فرعون إلا أن ينهي الحوار، وينتقل من قوة المنطق إلى منطق القوة (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)، فتأخذ الرسالة مرحلة أخرى، وهي مرحلة التحدي بالمعجزات والدخول في المواجهة.

إن معايشة هذا الحوار، وطريقة فرعون في إصراره على مهاجمة الشخص، لتؤكد بأنه منهج مستمر في تشويه المصلحين، تشويه يصل إلى استعمال كل الوسائل الدنيئة حتى التعيير بما لا سبب لهم فيه كاستهزاء فرعون بثقل لسان موسي (عليه والسلام) وقلة فصاحته حين نادى في قومه (أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) [الزخرف : 52].

وعلى أية حال، فإن كان أهل الباطل استفادوا من منهج فرعون مباشرة أو عبر ما توحيه إليهم شياطينهم فعلى أهل الحق أن يستفيدوا من نبي الله موسى (عليه السلام)

نشرت في الألوكة و قصة الإسلام

لم تعد السياسة المصرية تترك مجالا للدفاع عنها، وفي الأيام القليلة الماضية كان المتحدثون باسم النظام المصري في موقف شديد الحرج لدى حديثهم للصحافة ووسائل الإعلام والفضائيات، في مشهد يؤكد النقلة الكبرى للمتحدثين باسم النظام من خانة الحوار السياسي إلى حالة الصياح الذي هو أقرب للنواح.

وبعد أن ظننا أن السياسية تبتعد عن الدين وأن الدبلوماسيين لا يحبون أسلوب خطباء المساجد إذ بنا نرى أن المتحدثين باسم النظام المصري يمارسون أعلى درجات الفشل في الخطابة حين يصير كل الحديث عن “مصر أم العرب” .. “مصر هي الدولة العربية الكبرى” .. “مصر رائدة الثقافة في العالم العربي” .. “مصر التي تعطي ولا تأخذ وتمنح ولا تمنع” بل وصل الحال ببعضهم أن يعتبر مصر هي منارة العالم (؟!!!) بل وأنها ستظل منارة العالم أبد الدهر (؟!!!!) بما يطرح سؤالا حقيقيا عن مستوى القدرات الإعلامية –وقد أقول العقلية- للمتحدثين باسم النظام المصري.

وبعد أن كان يُعاب على خطباء المساجد أنهم يعيشون في أجواء الماضي ولا يخرجون منه ولا يواجهون مشكلات الواقع، إذ بنا نرى أناسا يفترض أنهم أبعد ما يكونون عن “الثقافة الشعبوية” أو “الشوارعية” يمارسون الرجوع إلى الماضي والانغماس فيه بلا محاولة حتى للخروج منه. وكم صار معتادا ومملا أن نسمع “مصر التاريخ .. مصر الحضارة .. مصر الأهرامات”، أو مصر التي قدمت في الماضي مالم تقدمه دولة عربية للفلسطينيين .. مصر التي خاضت أربعة حروب من أجل فلسطين (أستلحف بالله أحد الناس أن يذكر لي هذه الحروب الأربعة التي لم أعثر عليها حتى الآن) .. مصر التي كانت والتي فعلت والتي بذلت.

كان من المقبول، من حيث الشكل فقط، أن يمارس رجال النظام المصري عملية الكذب بكل وضوح في داخل استديوهات القنوات الرسمية لأن الأجواء لا تسمح بوجود طرف يعبر عن الرأي الآخر، ولا حتى تسمح باتصالات تليفونية “حرة”، لأن “الشكل” الإعلامي في نهايته جيد، مهما كان بعده عن الحقيقة، ومهما كان القهر الذي يصيب المستمع فيجعله على حافة الجنون.

أما أن ينسى البعض نفسه فيخرج في برنامج على شاشة فضائية أخرى، ليقول بكل قوة “تلاتة بالله العظيم ما في جدار فولاذي .. أعدم ولادي الاتنين ما في جدار” فهذا يمثل فضيحة ثقيلة تماما للنظام نفسه، ولقد كان، وأصبح المذكور مسرحا للكوميديا على صفحات الانترنت.

لقد كانت النخبة دائما، وفي طليعتها النخبة المصرية المثقفة، تهاجم الحركات الإسلامية وأحيانا تهاجم منطق الدين نفسه في إسباغ القداسة على بعض الشخصيات فكأنها شخصيات لا تخطيء أبدا، وكأنها تحتكر التفسير الصحيح لنصوص الدين. ما الذي قلب الحال فجعل شيخ الأزهر كائنا مقدسا لا يجوز مجرد الاختلاف معه؟ ويدور الحديث الذي يؤكد أنه –وحده- العالم العلامة والحبر الفهامة والجهبذ البحاثة الذي قضى عمره في العلم والتنقيب، وبهذا فإن الاختلاف معه “تطاول على الشخصيات المحترمة” و”تعدي على المرجعيات الدينية”.

فهل صار ثمة فارق بين من كان يُحقّر باعتباره من “خطباء المساجد” ومن كان يكتب في كبرى الصحف والمجلات باعتباره المفكر الكبير، بل أحيانا “سكرتير معلومات رئيس الجمهورية”.

في الحقيقة، ثمة فارق مهم وتحول ملموس. إذ أن “جيراننا” خطباء المساجد صاروا وزراء ورؤساء حكومات، فكان أداؤهم السياسي وتصريحاتهم الإعلامية مثالا متميزا بحق. وصدق الحاجب المصحفي جعفر بن عثمان حين قال:

لا تأمنن من الزمان تقلبا *** إن الزمان بأهله يتقلب

في موضوع السيادة المصرية على الحدود تبرز أمور كثيرة مثيرة للدهشة، غير أن أكثرها إدهاشا –عندي على الأقل- هي تلك الحماسة الهادرة في الحديث عن تاريخ مصر وحضارة مصر وعراقة مصر، ومصر منذ فجر التاريخ… إلى آخره.

ثم حماسة أخرى لا تقل قوة عن أختها “التاريخية” في الدفاع عن “الحدود المصرية” التي صارت تمثل كل معاني السيادة والكرامة والشرف، إلى الحد الذي شعرنا معه وكأن مجرد المساس بهذه السيادة هو عمل لا يمكن غفرانه بل هو جريمة شرف لا يمحوها إلا الدم وكأننا عدنا إلى عصر داحس والغبراء وحروب الجاهلية القديمة.

ودعك الآن من أن كل هذه المعاني لا تنصرف إلا للحدود مع قطاع غزة، وكأن الحدود مع السودان وليبيا وإسرائيل لا تسمى حدودا. ثم دعك أيضا من هذا “الانتهاك” (ياللهول!) هو أنفاق تحت الأرض، بل هي أبسط أنواع الأنفاق من حيث التجهيزات والإمكانيات المتواضعة.

الحماستان هادرتان .. ومتلازمتان، وتقرأهما معا في نفس المقال، وتسمعهما معا في نفس البرنامج ومن نفس المتحدث.. وبنفس الحماسة.

المثير للدهشة، بل المفجر للذهول، أن مصر التاريخ والحضارة والعراقة والفراعنة .. وحتى مصر عبد الناصر لم تكن حدودها تتوقف عند رفح أبدا، وأكاد أقول إن مصر لم تتوقف عند رفح أبدا وعبر كل تاريخها إلا بعد التقسيم الاستعماري الشهير الذي رسم حدود الدول العربية فقسم بلادا قديمة وأنشأ بلادا جديدة، ومن الطريف أن قسمها على الورق أولا لا على الأرض. فصارت خريطتنا العربية ممتلئة بالخطوط المستقيمة التي هي واقعيا تقسم القبيلة الواحدة والعشيرة الواحدة والقرية الواحدة.

وهذا ما حدث عند رفح، فصارت لدينا رفح مصرية وأخرى فلسطينية .. هكذا ببساطة!!

أي أن حدود مصر “المقدسة” صُنعت لها ولم تصنعها هي، أي أنها حدود تعبر عن مرحلة من “العار” والضعف والهزيمة والعجز، بما يجعل من ضروريات العراقة والحضارة والتاريخ والسيادة والكرامة وسائر المصطلحات المتحمسة أن تتمرد على هذه اللحظة التاريخية الضعيفة التي صنعت لنا الحدود.

أو ربما لدينا حل آخر مناسب.

أن نوافق ونرضى ونقر بهذه الحدود “المقدسة”، ونعتبر أن كل هذا التاريخ والعراقة والحضارة وأمجاد الفراعنة والفاطميين وحطين وعين جالوت ومحمد علي كانت “خروجا” عن هذه الحدود “المقدسة”، وبالتالي فهي كلها “تعديات” على سيادة وكرامة دول أخرى كثيرة.

فالفراعنة الذين وصلوا إلى آسيا الصغرى ومنابع النيل كانوا غزاة محتلين، لا سيما رمسيس الثاني الذي كان أكثرهم غزوا واحتلالا، وكذلك الفاطميين الذين حكموا مصر والشام والحجاز، ثم الأيوبيين الذين حكموا شمال إفريقيا حتى تونس وحكموا جنوبا حتى اليمن بالإضافة إلى بلاد الشام والسودان طبعا، وكذلك المماليك وكذلك محمد علي.

نستطيع أن “نقدس” حدودنا مع رفح، فقط إذا حذفنا كل تاريخنا أو رفضناه. من العظيم أن نكون ذوي مباديء واضحة وأن نكون منسجمين مع أنفسنا، إما أننا الحضارة والتاريخ والعراقة فيصبح تقسيم بلادنا بل تقسيم قرية رفح (التي كانت دائما مصرية) هي لحظة ضعف تاريخية يجبرنا التاريخ والحضارة على التمرد عليها.

وإما أن تاريخنا كله اعتداءات وتعديات واحتلالات فنحن نتقدم بالاعتذار لكل هذه الشعوب التي انتهكنا سيادتها وكرامتها وهددنا لها “الأمن القومي”.

أما أن يتحمس الشخص ذاته، في المقال الواحد، في السطر الواحد، للتاريخ والحضارة والعراقة ولحدود رفح المقدسة، فهذا عسير في الفهم، عويص حتى على منطق أرسطو ..

ودع الآن جانبا قضية القيم الإنسانية والأخوة ومصطلحات القومية والعروبة والأشقاء.

لو كان الأمر بيدي لأوجبت على طلبة العلم في عصرنا هذا أن يقرأوا لابن حزم، ويأخذوا عنه، لا سيما فقهه في السياسة والواقع، ولا أحسب الزمان جاد بمثله في زمن مثل زمننا هذا، فلقد عاش هذا الرجل في عصر ملوك الطوائف في الأندلس، ذلك العصر الذي أعقب عصر الأندلس الذهبي الذي امتد طوال القرن الرابع الهجري.

وعلى عكس ما كان القرن الرابع الهجري قرن مجد وفخار على يد حكام الأندلس الثلاثة العظماء: عبد الرحمن الناصر، ثم ابنه الحكم المستنصر بالله، ثم يصل العصر إلى ذروته مع الملك المنصور محمد بن أبي عامر، رحمهم الله جميعا.

على العكس من هذا جاء القرن الخامس الهجري لتعيش الأندلس عصر ملوك الطوائف، إذ انقسمت الأندلس إلى أكثر من عشرين مملكة، على كل منها أمير يتخذ لقبا ملوكيا، ولا يستحيي الواحد منهم أن يكون من أصحاب الجلالة والفخامة والسمو وسلطانه لا يعدو مدينة واحدة وبعض القرى حولها. ولولا أننا عشنا في مثل هذا الزمن لربما صعب علينا أن نصدق.

وعليه، فلا أحسب أن المسلمين ينفعهم فقه سياسي كما في فقه ابن حزم رحمه الله، على سعة علمه ثم عبقريته النادرة فهو فقيه ومؤرخ وفيلسوف.. والأهم من ذلك أنه حر، وشجاع. ورغم حدة لسانه –رحمه الله- تلك التي أفضت إلى إحراق كتبه، فإن الله أبقى منها الكثير والحمد لله أن وصلت لنا هذه الكنوز.

يتحدث رحمه الله عن صعوبة تحديد الحلال من الحرام في باب الأموال، فيذكر الضرائب الجائرة التي يفرضها ملوك الطوائف، يذكر – يا للعجب- الضرائب على الملكية، والضرائب على المبيعات، ويرى في هذا “إحداث دين جديد”.

ويذكر كيف يأخذ الملوك الجزية من المسلمين، وكيف يتنازلون عن الأوطان للصليبيين يُسكتون فيها الأذان ويقيمون النواقيس، بل كيف يحمون الصليبيين المحاربين. تماما كما تفعل السلطة الفلسطينية حين ترد المستوطنين إلى بيوتهم آمنين قبل أن يأسرهم أحد من الفصائل المجاهدة.

وتماما كما تُسلم المرأة أو الفتاة في مصر، فتُسلم مرة أخرى إلى النصارى ثم لا يُعرف عنها شيء.

ويذكر –رحمه الله- كيف يأخذون الضريبة على الخمر المسموح ببيعها في أرض الإسلام.

صحيح لم يفرض ملوك الطوائف ضريبة على العقارات، ولكن أخلافهم فعلوا فاستكملوا ما فات آباءهم.

يقول:

“وأما الباب الثاني فهو باب قبول المتشابه، وهو في غير زماننا هذا باب جدي لأنه لا يؤثم صاحبه، ولا يؤجر، وليس على الناس أن يتجنوا على أصول ما يحتاجون إليه في أقواتهم ومكاسبهم إذا كان الأغلب هو الحلال وكان الحرام مغموراً. وأما في زماننا هذا وبلادنا هذه، فإنما هو باب أغلق … فإنما هي جزية على رءوس المسلمين يسمونها بالقطيع، ويؤدونها مشاهرة وضريبة على أموالهم من الغنم والبقر والدواب والنحل، يرسم على كل رأس، وعلى كل خلية شيء ما، وقبالات ما، تؤدى على كل ما يباع في الأسواق، وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين في بعض البلاد. هذا كل ما يقبضه المتغلبون اليوم، وهذا هو هتك الأستار ونقض شرائع الإسلام وحل عراه عروة عروة، وإحداث دين جديد، والتخلي، من الله عز وجل.

والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض وحسرهم معهم آمنين، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه”.

ثم يضيف ما يراه حلا في ظل هذا الاختلاط بين المال الحلال والحرام: “ولكن التخلص لنا ولكم أن لا يأخذ الإنسان فيما يحتاج إليه ما أيقن أنه (حلال)، ولعلنا فيما جهلنا من ذلك أعذر قليلاً فإن النار المدفونة في الرماد أفتر حراً من النار المؤججة المشتعلة، فواغوثاه”.

انتهى كلامه، يرحمه الله.

 

هذا الوصف أطلقه من قبل الأستاذ عمر التلمساني عن الأستاذ الإمام “حسن البنا” أستاذ عصره، والعلامة الكبرى في الحركة الإسلامية الحديثة في كتاب هذا عنوانه (حسن البنا .. الملهم الموهوب)، وهو من أفضل الكتب التي تلمس تلك المناطق العميقة في شخصية المجدد.

لا أحسب شابا من الإسلاميين لم يَدُر في ذهنه في هذا العصر تساؤلات أو آمال عن المجدد الجديد الذي اقترب زمانه، وأعرف كثيرا كان يؤمل أن يكون هو هذا المجدد، وبعضهم رأى من مواهبه وطاقاته ما لا يصلح بها إلا أن يكون “الرجل الثاني” -كما تقول قاعدة بيتر الإدارية- فتمنى أن يكون مساعد المجدد.

ومنذ بدأت الاستماع إلى عمرو خالد، أو بالأحرى مشاهدته، وتباشير المجدد تتكون عندي، إلى أن كان برنامج “صناع الحياة” منذ ست سنوات، ومن ذلك الوقت أعتبر أن عمرو خالد هو مجدد العصر، وهو في كل يوم يتفوق على نفسه ويشق مساحات دعوية جديدة بأفكار وأداء غاية في العبقرية والكفاءة والاحتراف، وهو –بحق- ثورة في عالم الدعوة، وقفزة هائلة في مسيرة الإصلاح، ولون جديد تماما على النسيج الإسلامي. وهو لون يثبت فعلا أن هذه الأمة قادرة دائما على الإبداع وإفراز العبقريات الفريدة التي تلتمس أصولها وتبتكر في فروعها.

وما بين حسن البنا وعمرو خالد أوجه شبه كثيرة.

فالسحر الذي يتحدث عنه معاصروا البنا شبيه بهذا السحر الذي يشعر به جمهور عمرو خالد. وعلى الأقل فأستطيع أن أحكي هذا عن نفسي، وقد بدأت بالتعرف على الإسلام والإسلاميين من قبل ظهور عمرو خالد، وفتنتي حقا شخصية حسن البنا. وكنت أتعجب من عبارات من يغلب عليهم الاتزان والموضوعية والبعد عن المبالغات حين يتحدثون عن البنا. ولا أزال أتذكر كيف كنت أتعجب من الشيخ القرضاوي ذلك الفقيه الرصين كيف يتحول إلى وَلِهٍ محب حين يتحدث عن البنا، كذلك الشيخ الغزالي رحمه الله وهو أبعد ما يكون عن تقديس الأشخاص أو الافتتان بهم، وكذلك سيد قطب ومحمد قطب، وأبو الحسن الندوي .. وجموع كثيرون.

ولقد تعجب مثلي –أو تعجبتُ مثله- الصحفيُّ الذي كان يأخذ من الأستاذ عمر التلمساني ذكرياته التي تحولت فيما بعد إلى كتاب (ذكريات لا مذكرات) حين أخرج الشيخ الوقور من حافظته ورقة قديمة بخط حسن البنا وهو يقول آسِفًا قولة محب عاشق: “هذا كل ما تبقى لدي من تراث الإمام”.

ثم هذا التجديد الذي أتى به حسن البنا، ما أشد شبهه بالتجديد الذي يصنعه اليوم عمرو خالد. وفي كتاب الأستاذ محمود عبد الحليم (الإخوان المسلمون .. أحداث صنعت التاريخ) ينتشر شعور قاهر بأن حسن البنا كان يتحدث عن الإسلام كما لم يتحدث عنه أحد من قبل، فكأنه يقول شيئا جديدا تماما بما يجعل هذا الطرح الجديد آسِرًا وجاذبا للمستمعين.

من ينكر الآن أن عمرو خالد –وبحق- يتحدث في الإسلام بما لم يسمعه الناس من قبل، إن هذا يبدو في تمام الوضوح في الشباب الذين عادوا إلى الالتزام تأثرا به، ولكنه موجود كذلك وبوضوح في الشباب الملتزم منذ ما قبل عمرو خالد –لو صح التعبير-، فإنه يتحدث كما لو كانت الأفكار المختبئة لا تتكشف إلا له، ثم هو يستطيع إخراجها في ثوب مدهش من السلاسة والوضوح والبساطة و … العملية.

ولئن كان حسن البنا قال وافتخر “نحن قوم عمليون”، فلا أحسب أحدا من دعاة وقتنا المعاصر هو –في هذا الجانب- يستطيع أن يجاري، ولا أقول ينافس، عمرو خالد.

وما أشد حسن البنا وعمرو خالد شبهًا في “غرس الأمل”.

يُحدِّث المعاصرون لحسن البنا كيف أن “حديث الثلاثاء” كان طاقة روحية هائلة يُشعل الجموع المستعمة ويحولها إلى تيارات أمل وعمل وبذل وجهد، حتى إن الشيخ القرضاوي يتعجب من أن البنا لا يجري عليه الفتور الذي يجري على جميع الدعاة، فهو دائما في نشاط وهمة، وهو دائما قادر على بث الروح في نفوس من حوله.

وكذلك عمرو خالد، الذي يبدو وكأنه لا يفتر، ولا يكل ولا يمل، وبرامجه خصوصا تلك التي يغلب عليها الطابع العملي وأبرزها “صناع الحياة” استطاعت فعلا تحويل قطاعات من الشباب إلى طاقة زهر –بتعبير الشيخ الندوي- وضخت في مسيرة الإصلاح دماء جديدة ومساحات جديدة، وأكاد أقول إن الجمعيات الخيرية شهدت ثورة في العدد وفي مجالات العطاء.

وإنه ليبدو أن برنامجه الأخير “مجددون” -الذي أذيعت منه الحلقة الأولى فقط حتى كتابة هذه السطور- هو قفزة أخرى وهائلة كالعادة في إثارة هذه الروح.

سيرى الشباب كيف أن شبابا مثلهم –أو أصغر منهم- يستطيعون قيادة أعمال وإنجاز مهمات تبدو لكثيرين منهم فوق الخيال، وكفى بهذا قدوة ومثلا ومفجرا لروح النشاط والحركة والعطاء.

إنها الفكرة المبتكرة التي تواكب عصرها، ولكنها تسبق عقول جيل العلماء والدعاة، وستظل مجرد الفكرة نفسها موطن صراع وهجوم عنيف من قطاعات واسعة من الإسلاميين، وهو هجوم سيكون منصبا بالأساس على إثبات فشل الفكرة وعدم شرعيتها، لا على تطوير الفكرة أو وصف كيف يمكن أن تكون شرعية.

ومما يزيد في احترامي لعمرو خالد أنه يعلن أنها ليست فكرته، بل فكرة د. محمد يحيى، أي أنها فكرة تبناها وتطورت خلال المناقشات وورش العمل، وليست من بنات أفكاره. والعاملون في الساحة العلمية والبحثية يعرفون كيف أن الساحة مبتلاة بالسرقات العلمية، وكيف لا يتورع بعض الناس عن التضخم على حساب الفقراء من الشباب المبتكرين والمجتهدين.

ومن أوجه الشبه بين حسن البنا وعمرو خالد ما يُسمى “صناعة المدرسة”، وهذا ما يسميه الدكتور عمارة سر تفوق حسن البنا على من سبقه ومن تلاه من “أعلام الإحياء الإسلامي” –والتعبير له-. ذلك أنه استطاع أن يحول الفكرة الإصلاحية إلى تيار شعبي فاعل في واقع الحياة.

وقد بدا هذا من عمرو خالد منذ برنامجه (دعوة للتعايش)، وصرح به بوضوح لدى كلامه عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، الذي لم يترك مؤلفات مكتوبة ولكنه ترك مدرسة. ولقد تحول عمرو خالد فعلا إلى مدرسة. لا أقصد هنا المدرسة الفكرية، بل أقصد التيار العملي، وإن كان عمرو أيضا مدرسة على المستوى الدعوي أيضا، وهو البداية الحقيقية لمن أطلق عليهم “الدعاة الجدد”.

منذ زمن يصرح عمرو خالد بأنه يشعر أنه لن يعيش طويلا، وشخصيا أصدق هذا وأتوقعه، لقد قال الصحفي الأمريكي روبير جاكسون “إنه الشرق .. لا يستطيع أن يحتفظ طويلا بالكنز الذي يقع بين يديه”، ولقد قالها معلقا على اغتيال حسن البنا.

فهل يستكمل التشابه بينهما في الحياة مسيرته ليخط تشابههما في الوفاة، أتمنى من كل قلبي ألا يحدث، وأن يستطيع الشرق تعلم الدرس والاحتفاظ بالكنز الذي يقع بين يديه. ولكن، على أية حال فإن وُفَّق عمرو خالد في برنامجه (مجددون) فأحسب أنه سيكون قد استكمل رسالته الدعوية.

“كان من أكثر أساتذتي تأثيرا شيخي الجليل الأستاذ / محمود محمد شاكر .. فقد رأيت هذا العملاق العلامة يطيل التدقيق في كل ما يكتب .. رأيت هذا من شيخي الجليل فوعيت وتعلمت واقتديت بل وجدتني أولى بالتردد، والخشية ألف مرة..

ولقد أدرك ذلك مني بعض الأساتذة الأجلاء، والكرام الباحثين فكانوا يستفزوننيي، ويحثونني على أن أنشر ما أكتب. قال لي الشيخ عبد الجليل شلبي: أنت ما تريد أن تقول آخر كلمة في الموضوع الذي تكتبه، وهذا يا بني مستحيل، إن الكلمة الأخيرة لن تقال أبدا .. انشر ما تكتبه غيرك يكمله أو يبني عليه أو يصححه ولا حرج في ذلك”.

“إن تشويه التاريخ الإسلامي من الخطورة بمكان، فهي تتمثل في ناحيتين: أ. تشويه الإسلام نفسه حيث يظهر عجزه عند التطبيق .. ب. القضاء على النموذج والمثال، فحين ينادي الدعاة بتطبيق الإسلام دينا ودولة، عقيدة وشريعة، سيجدون من يسأل: على أي نظام؟ على أي هيئة؟ على النمط الأموي الذي كان وكان .. أم على النمط العباسي .. أم على النمط العثماني ..؟؟”

” [من أهم أسباب شيوع الغزل في الشعر العربي في العصر الأموي:

أ‌. أبعد الأمويون أبناء المهاجرين والأنصار عن السياسة، وأسكنوهم الحجاز، ومنحوهم الأموال الطائلة، ووجد هؤلاء الفراغ والأموال، فبدءوا ينظمون هذا اللون من الشعر.
ب‌. 
ت‌. كثرت السبايا نتيجة للفتوحات الإسلامية، وكان معظم أبناء المهاجرين والأنصار من الشباب، فانصرفوا إلى الغزل وسماع الغناء، وقال هؤلاء شعرا رقيقا، أبدعوا فيه ووقفوا شعرهم عليه] (من كتاب النصوص والأدب للصف الأول الثانوي في مصر).
ث‌. 
هكذا يفسرون شيوع الغزل!! بضربة واحدة يصيبون الخلفاء الأمويين وأبناء الصحابة معا، فالخلفاء خبثاء ويشجعون على اللهو والفساد حتى يُتلفوا الشباب ويلهوه عن حقوقه السياسية، وكذلك وصموا أبناء الصحابة بأنهم “مغفلون”! لم ينتبهوا لخبث خلفاء بني أمية ومكرهم!!

والأعجب من ذلك أنهم حين يفسرون ظاهرة “شيوع الغزل في العصر الجاهلي” يقولون [لأن العربي بطبعه ذو حس مرهف، ميال للجمال محب له، ولأن حياته تقوم على الحل والترحال فتشعل الشوق في قلبه  وتحرك لواعجه ولأن طبيعة بلاده المكشوفة الساطعة الضوء الصافية السماء تنعكس على نفسه إشراقا وحبا، فتدفعه إلى الغزل]

ولك أن تضحك أو تبكي أو تصرخ: ما هذا؟ يتغزل العربي الجاهلي، فيقولون: ميال للجمال ذو حس مرهف، ويتغزل العربي المسلم، فيقولون: مغفل يلهيه الحكام عن حقه في السلطة، أو مراقبتها.. كيف تحول العربي من رقيق الحس محب للجمال إلى مغفل مضحوك عليه في نحو أربعين سنة”.

انتهى كلامه يرحمه الله ..

لقد أسلم المؤرخ والأصولي والمحقق الأستاذ الكريم الدكتور عبد العظيم الديب روحه إلى الله يوم الأربعاء الماضي 6/1/2010. بعد عمر حافل بالعلم، وكان لشدة دقته –رحمه الله- مقل من التأليف مُكثر من تحقيق كتب التراث خصوصا في الفقه والأصول.

وصدق من قال “الدهر يفجع بعد العين بالأثر”.. وأصدق منه من قال “يمضي الرجال ويبقى النهج والأثر”

اقرأ: نعي العلامة القرضاوي له

حمل بعض كتبه: نحو رؤية جديدة للتاريخ الإسلاميالمستشرقون والتراث

اقرأ له: سلسلة تاريخ المسلمين وكيف يكتبه خصومهم 1 2 3

واقرأ: “متعالم أضحوكة وعلامة مغمور

يوما ما كان الشاه الإيراني شرطي أمريكا في المنطقة وذراعها الذي تخيف به الكيانات الصغرى – دول الخليج- تلك التي أصبحت صغرى بتقسيم الاستعمار لها على حسب القبلية وأحيانا على حسب الحقول النفطية. فكان الأمريكان يستخدمون شرطيهم في التخويف عسكريا وسياسيا وكذلك في الابتزاز نفطيا فإيران من الدول النفطية أيضا.

ثم بدا لها أن تنشيء في إيران مشروعا نوويا فما إن بدأت إنشاءه حتى قامت الثورة الإسلامية في إيران، وتطورت الدولة الإيرانية بهذا المشروع حتى صار هو مصدر الخوف والانزعاج، ومن أجله تأتي وتروح الوفود، وتُحبس وتُصدر القرارات.

ثم لماذا نذهب بعيدا، منذ أربع سنوات خطر لأمريكا أن يُجري الفلسطينيون انتخابات نزيهة لكي تصعد سلطة محمود عباس، فتنفذ ما يريد منها ببساطة، وتتولى أمر “ضبط” الفلسطينيين، واستئناف “مسيرة السلام”. وتخيلوا أن التهديد بالتجويع والحصار للفلسطينيين وتذكيرهم بما حل في العراق وأفغانستان كفيل بأن يرد لهم صواب عقولهم فيمنعهم من انتخاب الحركات “الإرهابية”.

لكن الله يقدر، وأمريكا ومن معها يقدرون، ولا راد لقضاء الله. وإذ بالانتخابات تسفر عن نتيجة لم يتوقعها أشد المتفائلين، ولا حتى حركة حماس نفسها. وبدلا من كوننا على أعتاب التنازلات المريحة والتخلص من الصداع إذ أتى السرطان كله. وجاءت حركة حماس إلى الحكم، فعاشوا معها –حتى اللحظة- سنوات عصيبة ولكن يبدو أنها فعلا عصية على الكسر.

وحين ذهبوا إلى أفغانستان لم يفكر أحد في أن هذا البلد الفقير الضعيف سيملك وقتا لأن يترنح قبل السقوط المدوي أمام هجوم “التحالف الدولي” الذي هو الأول والأقوى من نوعه في التاريخ. ما زلنا بعد تسع سنوات الآن لا نعرف على وجه الحقيقة من المنتصر؟ بل إن عام 2009 –كما نشرت تقارير إخبارية- كان هو الأسوأ على الناتو في أفغانستان.

وهل من شك في هذا فنحكي قصة العراق؟ أو قصة حرب لبنان 2006؟ أو معركة الفرقان التي نزلت فيها أقوى دولة عسكرية بالمنطقة على قطاع ساحلي أعزل ثم لم تستطع شيئا إلا ما افترسته من المدنيين العزل؟

لقد مكروا ودبروا، ولكن أصبح تدميرهم في تدبيرهم، وصار مكرهم مكرا عليهم. وصدق الله تعالى (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله. إن الله لا يخلف الميعاد).

فبما صنعوا .. تصيبهم ..

ترى ما هي القارعة التي تنتظرنا في مصر، إذ يُبنى الجدار الفولاذي ليمنع الناس من الطعام والدواء، ويُؤذى من يأتي لهم مساعدا ومعينا من بلاد كانوا يسمونها قديما “ما وراء البحار”؟

ترى أي قارعة تنتظر البلاد قريبا؟
 

الصفحة التالية »